![]() |
اعتصامات المعطّلين إلى أين؟
من حقنا أن نفزع من مشاعر الإغتراب التي أصبحت تلازم مختلف فئات الشباب المغربي من حملة الشهادات المعطلين عن العمل. من حقنا كذلك أن نفزع من ضبابية الخطوط الفاصلة بين العطالة من جهة والفقر و الكفر والعياذ بالله من جهة ثانية. فواقع الحال يبين على أن بطالة الخريجين أصبحت مؤسسة اجتماعية تؤطر كافة المنضوين تحتها كرها لا طواعية، تأطيرا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
هذا واقع له نفس الوقع داخل الأسر التي نكب أفرادها بفقدان المناعة ضد البطالة المتوحشة، التي أصبحت كعصا موسى تستقبل كل متخرج ومتخرجة من المؤسسات التعليمية والتكوينية. شباب عاطل تفتحت عيون بصائرهم عبر مستويات الخوف والجرأة على حقوق اجتماعية وسياسية يضمنها الدستور، ويتم هضمها بعد مضغها وحجبها ثم تغييبها، فيما يعتلي "أرباب العقول" منابر الخطابة، متسلحين بالألفاظ المتأسفة، مدلين بمبررات عبر متواليات هندسية يأتيها الباطل مسرعا من خلفها ومن أمامها، صارخين بكلمات مليئة بالسعرات الحرارية وبالوعود المعسولة التي لا تتحقق ولو بعد فوات ألف يوم ويوم، فتتكرر عمليات تسطيح المعرفة عبر إعطاء أرقام فضفاضة، أصبحت اليوم تخسر مواقعها ويرهقها حجمها، مما يدعونا والحالة هذه إلى البر بالأدمغة المسقفة التي يعوزها النظر إلى أبعد من مواطئ أقدامها، والتي تستند تصرفاتها على مبدأ امتصاص غضب المعتصمين من حملة الشهادات، باللجوء إلى أساليب المراوغة في المنطقة المحرمة، في الوقت نفسه، تلحس عصي الشرطة أجساد المطالبين بحق الشغل أمام البرلمان أوفي شوارع الرباط.
في شوارع الرباط، تنطلق المطاردات الهوليودية لتتبع خطى الفارين من المعتصمين والمعتصمات، المعطلين والمعطلات، فترتفع أيادي أفراد القوات المساعدة وقوات التدخل السريع للضرب والجرح العمد، ليتم إرسال الشباب والشابات إلى أقسام الإنعاش، عفوا أقصد إن عاش.
إن هذه المطاردات بالسيارات وصفارات الإنذار، تدخل الرعب والهلع في نفوس المارة من السكان أو الزائرين والعابرين من المواطنين والأجانب، خوف له ما يبرره، لأن العصي السوداء تدربت على عدم التمييز بين أكتاف المارين وبين لحم المعطلين أو المكفوفين، مع العلم أن لحم المعطلين أصبح ومنذ مدة، يحمل علامات مميزة، وتعلوه تضاريس ونتوءات تكاد تظهر على الملابس الصيفية. باختصار، لقد أصبح علامة مسجلة تؤهلهم للدخول في كتاب (جينس) للأرقام القياسية في الصبر والمعاناة.
فمن اعتصام الدكاترة و الأساتذة المبرزين، إلى اعتصام أخر أمام بوابة إحدى المؤسسات المكلفة بمحاربة الأمية، ويتعلق الأمر باعتصام فئة من المنشطين لبرامج محو الأمية المطالبين بحق الإدماج والشغل، فيقومون بتنشيط هذا الشارع، لكن بالصياح وبترديد الشعارات الموزونة والملحنة على مقام الصبا الحزين، والموزعة على حناجر الشبان والشابات الذين تقترب أعمار بعضهم من الأربعين، تندد بسياسة التهميش والإقصاء،وتتوعد بمواصلة الوقفات والجلسات الاحتجاجية، كما هو الحال بالنسبة لمجموعة أخرى من المعتصمين تنتمي لفئة المعاقين حركيا وبصريا، والذين يفترشون جنبات بوابة المؤسسة المكلفة بالأسرة، بعد أن رفعوا لافتة كتبت فيها عبارات بمداد اليأس، وشعارات أصبحت ألوانها خافتة لطول مدة الإقامة، وقد لا تطول الإقامة أحيانا، فتعمد الشرطة إلى تفريق المعاقين أوشحن المكفوفين منهم كالخرفان في سيارات الشرطة، لتقوم بتفريغهم في الشوارع البعيدة كوسيلة لمنعهم من تحديد مواقعهم، لكن في الصباح الباكر، يبدأ اعتصام جديد ويستفيق السكان على الشعارات المختلطة بالآهات.
صحيح إن القانون صريح، وان أي تجمهر في الشارع العام يتطلب اتخاذ إجراءات خاصة لحماية الناس والممتلكات. لكن هل ضرب المعتصمين إلى حد الإغماء سيحل المشكل اليومي؟ وهل اتخاذ قرار الصمت واللامبالاة هو قرار صائب ؟ خصوصا عندما تطول اعتصامات الشباب المعطل لمدة طويلة أمام مقرات الإدارات العمومية، مما يدفعهم إلى تشييد البيوت الورقية الواقية من النظرات المتربصة بالنائمات، أو صناعة صناديق ورقية لطلب الصدقات مباشرة وفي عين المكان، أو بواسطة إرسال مبعوثين إلى الشوارع البعيدة حاملين صدريات عبارة عن سبورات خشبية تتضمن عبارات تستجدي عطف المارة غير المبالين، وقبل منتصف كل يوم، ينصبون طنجرة الضغط التي قد لا تفتح لتتنفس خصوصا عندما يختلط صفيرها بصفارات سيارات الشرطة والإسعاف.
لماذا لا يتقرر تخصيص سنة 2022 كسنة للتضامن الوطني لحل مشكل بطالة الخريجين؟ لماذا لا نشرك كافة الأطراف وجميع القطاعات، حول مائدة مستديرة أو مربعة، تمتد من الشمال إلى الجنوب، مخترقة جميع التضاريس الاقتصادية والمتاريس السياسية، لنتمكن من إيجاد التحليل الواقعي للبدائل، وتقديم عربون حسن النية، وإشعال مصابيح الأمل في قلوب ونفوس الذين قضوا سنوات في طلب العلم، قبل أن يأتي الحديث الفاجع يخبرنا بموت أحد المعطلين شنقا أو حرقا. إذاك، ستمشي الكتب والمقررات الدراسية والشهادات الجامعية في مواكب جنازاتهم.
نتمى أن يكون العام القادم أحن علينا من سلفه.

إرسال تعليق